صديق الحسيني القنوجي البخاري

137

فتح البيان في مقاصد القرآن

والراحة الحقيقية بالعبادة التي هي الحياة الدائمة وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي مضيئا لتبصروا فيه حوائجكم ، وتنصرفوا في طلب معايشكم ، وهو من الإسناد المجازي ، أي مبصرا فيه لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار . إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يتفضل عليهم بنعمه التي لا تحصى ، ولم يقل لمفضل أو لمتفضل لأن المراد تنكير الفضل ، وأن يجعل فضلا لا يوازيه فضل ، وذلك إنما يكون بالإضافة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ النعم ولا يعترفون بها إما لجحودهم لها ولكفرهم بها ، كما هو شأن الكفار ، أو لإغفالهم للنظر وإهمالهم لما يجب من شكر المنعم وهم الجاهلون ، ولم يقل : ولكن أكثرهم حتى لا يتكرر ذكر الناس ، لأن في هذا التكرير تخصيصا لكفران النعمة بهم ، وأنهم هم الذين يكفرون فضل اللّه ولا يشكرونه كقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ [ الحج : 66 ] وقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ إبراهيم : 34 ] . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 62 إلى 66 ] ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 62 ) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 ) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 64 ) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 65 ) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 66 ) ذلِكُمُ أي الفاعل المخصوص بالأفعال المقتضبة للألوهية والربوبية اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بيّن سبحانه في هذا كمال قدرته ، المقتضية لوجوب توحيده فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي فكيف تنقلبون عن عبادته وتنصرفون عن توحيده ؟ وتصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان . كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي مثل ذلك الإفك يؤفك الجاحدون لآيات اللّه ، المنكرون لتوحيده ، ثم ذكر لهم سبحانه نوعا آخر من نعمه التي أنعم بها عليهم ، مع ما في ذلك من الدلالة على كمال قدرته ، وتفرده بالآلهية فقال : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً أي موضع قرار مع كونها في غاية الثقل ولا ممسك لها سوى قدرة اللّه وفيها تحيون وفيها تموتون وَالسَّماءَ بِناءً أي سقفا قائما ثابتا مع كونها أفلاكا دائرة بنجوم طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل والنهار ، والإظلام والإضاءة ، ثم بين بعض نعمه المتعلقة بأنفس العباد فقال : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي خلقكم في أحسن صورة لم يخلق حيوانا